الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

44

نفحات الولاية

الْمَحارِمِ وَالاشْتِمالُ عَلَى الْمَكارِمِ ثُمَّ لايُبالي أوَقَعَ عَلَى الْمَوْتِ أَمْ وَقَعَ الْمَوْتُ عَلَيْهِ » « 1 » . وقد وردت عدّة احتمالات بشأن المنادي ، فقيل : ملك من الملائكة كما ورد في إحدى الكلمات القصار لنهج البلاغة « 2 » كما نظمه البعض بصيغة شعرية : لَهُ مَلَكٌ يُنادي كُلَّ يَوْمٍ * لِدُوا لِلْمَوْتِ وَابْنُوا لِلْخَرابِ أو أنّ المنادي هو الحوادث والبلايا كالعواصف التي تجتاح حياة الناس كلّ يوم ، أو إشارة إلى آثار الشيخوخة التي تتبلور في ذبول الجسد ومشيب الشعر وانحناء القامة والتي تنادي بالرحيل بلسان الحال ، وإن اعتبرنا الرحيل بمعنى السير والسلوك إلى اللَّه وتهذيب النفس ، فالمنادي هو اللَّه في القرآن ، وأئمّة العصمة في الروايات ، الذين يهتفون بنداء الموت ومغادرة الدنيا . ومفهوم العرجة على ضوء معنى الإقامة ، هو الحدّ من التعلق بالإقامة في الدنيا وعدم عدّها خالدة ، كحال المتهافتين عليها . ثم بيّن أسلوب الاستعداد لسفر الآخرة فقال : « وَانْقَلِبُوا بِصَالِحِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ « 3 » مِنَ الزَّادِ » . « انقلبوا » عبارة ، لطيفة تشير إلى التحول الباطني ، أيحولوا انتباهكم عن الانغماس في الدنيا إلى إعداد الزاد والمتاع الأخروي . « بحضرتكم » إشارة لما يتمتع به الإنسان من قدرات وفرص . ثم خاض الإمام عليه السلام فيالدليل على لزوم تحصيل الزاد والمتاع فقال : « فَإِنَّ أَمَامَكُمْ عَقَبَةً كَؤُوداً « 4 » ، وَمَنَازِلَ مَخُوفَةً مَهُولَةً « 5 » ، لَابُدَّ مِنَ الْوُرُودِ عَلَيْهَا ، وَالْوُقُوفِ عِنْدَهَا » .

--> ( 1 ) . بحار الأنوار ، ج 74 ، ص 382 ، ح 7 . ( 2 ) . نهج البلاغة ، الكلمات القصار ، الكلمة 132 . ( 3 ) . « حضرت » بمعنى « الحضور » وهي هنا إشارة إلى الفرص التي تنتظر الإنسان . واستعمال هذه المفردة بشأن‌العظام كونه لا يريد خطابهم ، بل يلتفت إلى حضورهم . ( 4 ) . « كؤود » من مادة « كأد » بمعنى الشدّة والصعوبة وعقبة « كؤود » صعبة العبور . ( 5 ) . « مهولة » من مادة « هول » بمعنى الخوف و « مهول » اسم مفعول ؛ يعنى مخيف .